الصفحات

دوّيخة صيدا


دوّيخة صيدا

قصّة عن الحق في اللّعب
كتابة أحمد فقيه


تعود الصورة إلى عام 1950 والتقطها المصور هاشم مدني. تظهر الصورة اتصال المدينة القديمة بالبحر والميناء اللذان يتوسطهما بحر العيد. كما تعكس الصورة وطادة علاقة الصيداويين بالبحر قبل أن يفصل الأوتوستراد البحري المدينة عن شاطئها مقلصاً مساحة “بحر العيد”.



بحر العيد كان عبارة عن ساحة ترابية كبيرة يحيطها من جهة الشرق خان الإفرنج وحمام المير فخر الدين وبيوت، ومن جهة الجنوب بحر إسكندر والجامع العمري الكبير ومدرسة المقاصد، ومن جهة الشمال جامع البحر وميرة الصيادين القديمة، ومن جهة الغرب البحر والشخاتير. بحر العيد يعني النزهة، لقاء الأهالي، لقاء الأصدقاء، في أعياد الفطر والعيد الكبير والأضحى. وكان بحر العيد مساحة للجميع، كبار وصغار، بنات وصبيان. وكان الأولاد يقصدون بحر العيد لركوب المراجيح صباحاً وبعد الظهر للكبار. فيتحدى الكبار صباحا بعضهم البعض بقوة دفع المرجوحة.


خريطة جويّة توضّح موقع بحر العيد على الشّاطئ الصيداوي

تقسيم المساحة في بحر العيد كان من خلال اتفاقيات بين الأهالي وأصحاب المراجيح اللذين يأتون بالأخشاب الخاصة بهم التي خزنوها من سنة الى سنة في غرفة لعائلة الترياقي وينصبونها في الساحة. كانت المراجيح عبارة عن صناديق من الخشب أو حسكة أو سرير. وكانت الناس تأتي من جميع المناطق: بيروت والجنوب وسوريا. في الأيام الأخرى – أي عندما لا يكون هناك عيد – تبقى المساحة للبحرية والصيادين، يستخدمونها لخياطة الشباك البحرية.


الأشخاص في الصّورة هم، وفقاً للمصوّر هاشم المدني، من اليسار إلى اليمين: أبو قبّوعة، عساف،، درزي، وصديق لهم

كان أكثر أصحاب المراجيح من “البحرية”، أي صيادين أو عاملين في المرفأ، مثال عائلة الترياقي ونضر والقرص وشعبان. ومع مرور السنين تبعهم أولادهم وكثر عدد المراجيح من أربعة وخمسة حتى العشرين مرجوحة. كانت المراجيح والشقليبات عبارة عن صناديق من الخشب يجلس في كل صندوق أربعة أشخاص.


تعود الصّورة إلى عام 1958، أما الأشخاص في الصورة من اليمين إلى اليسار هم: صبّاغ مع أصدقاء أخرين وإلى اليسار دافع الأرجوحة

وكان يوجد صندوق الفرجة على بحر العيد وعادة كان يأتي شخص كل عيد، ويضع صندوق له ثلاث عيون ومقعد ويجلس ينادي: “تعوا تعوا يا شباب ويا بنات”. ويأتي كل ثلاث أشخاص ويحضروا العرض وعند انتهاء العرض ينقر على الصندوق للدلالة على انتهاء العرض ولإتاحة الفرصه لثلاث أشخاص آخرين للتمتع بالعرض.


تعود الصورة إلى عام 1950، أما الأشخاص الموجودين فيها فهم من اليسار إلى اليمين: أسمر سعديّة، عفارة وصديق لهم

كان الباعة يبيعون على بحر العيد السكر المعقود او ما يسمى بالغزلة. كان البائع يقف وهو يحمل ما لا يقل عن أربعين كيس من الغزلة معلقين كل على عصا خاصة به. وكان بعض الباعة يبيع المكبوس على عربة. كان البائع يحتفظ بالمكبوس بوعاء زجاجي كبير ثم يفرغ من الوعاء الكبير بوعاء صغير ويضع لكل زبون ثلاث أو أربع قطع. وكان البعض يبيع حلوى تدعى معلل وهي عبارة عن تفاح مغطى بالسكر الملون باللون الزهري.


عبد الرحمن الترياقي متوسطاً أصدقاءه على بحر العيد عام 1950

في العام 1954 اشترى شخص يدعى عبد الرحمن الترياقي لعبة تدعى الدويخه تعمل بالكهرباء. وهي عباره عن عامود مربوط به مجموعة من الحبال التي تنتهي بمقعد. يجلس الأولاد على المقاعد وتدور بهم لمدة محددة مقابل مبلغ قليل من المال. في السابق كانت هذه اللعبة يدوية. وكان هناك أيضا ما يدعى بالساحر الذي يقوم بألعاب يشترك بها الشباب بما يشبه القمار.


الدويخة: عام 1958

كان هناك أشخاص، يسمّون بالحمرجية، من عائلة عفاره وآخرين من عائلة الصياد يملكون حمير وآخر من عائلة حيدر من صيدا القديمة يملك حصاناً. كان هؤلاء الأشخاص يستغلون موسم العيد ليركّبوا لأولاد على ظهر الحمير أو الأحصنة من بحر العيد الى بحر القملة ذهاباً وإياباً.

كان يوجد شخص من بيت القرص لديه لعبه تدعى الشقليبة وهي عبارة عن صناديق من الخشب مربوطة بالحبال بشكل عامودي. يركبها الأطفال ويغني لهم عندما تبدأ بالدوران قائلاً: “ياولاد الكوشة يويا…عنا جاروشة يويا… جاروشة مين يويا… عمو إسماعين يويا…خلّف ما مات يويا… بنهار العيد يويا…ويلا ويلا هااااا”.

على مدخل صيدا القديمة من الجهة الجنوبية كان هناك بناء لعائلة الترياقي وكان فيه صالة كبيرة يضع بها الصيادون شباك الصيد خلال العام، ولكنهم كانوا يفرغوها من الشباك يوم العيد ليضعوا بها مراجيح خاصة بالنساء المنقبات اللواتي لا يكشفن عن وجوههن.

خلال الإجتياح الإسرائيلي عام 1982 هدم بالقصف ما يقرب من 500 منزل والمراجيح القديمة من الجهة الجنوبية لبحر العيد. وكما وصفت المحلات المجاورة، الحلاق عزو نسب وعيطور الفوال وأبو درويش بائع القطايف. وفي العام 1984، استكملت شركة “أوجيه لبنان” بهدم ما تبقى من بيوت، حتى تلك التي كان من الممكن ترميمها. يقول أحد أهالي صيدا:

“استغلوا الإجتياح عشان يتوسع وينعمل الشارع وكل البيوت إنقصفت، في واحد بذكر طلع بهيدي المنطقة وصار يضرب على الطيران اليهودي وبلشوا يقصفو المكان وحوالي 100 بيت راحوا بالقصف بليلة واحدة.”


المصدر: موقع منتدى صيدا للحوار

وكان الأثر السلبي الأكبر للأوتستراد البحري على منطقة بحر العيد والبلد القديم. فبسببه تحول بحر العيد من مساحة شاسعة تربط المدينة القديمة بالميناء والبحر إلى بقايا مساحات هامشية يطغى عليها الطريق والسيارات والضجيج.


من اليسار إلى اليمين: نبيل الشامي، محمد العقاد، ودافع الأرجوحة من عائلة كيّللو

التقطت هذه الصّور بعدسة المصوّر هاشم المدني الذي أرفقها بالمعلومات الموجودة أعلاه. ونشرت هذه الصّور في كتاب تحت عنوان “نزهات” الذي أنتجه أكرم الزّعتري وأصدرته “المؤسسة العربية للصورة”

صيدا: اكتشاف معبد ضخم يعود إلى 1300 عام قبل الميلاد

وأكدت رئيسة البعثة البريطانية أنه «عثر في هذه الغرفة على مواد خشبية وخزفيات مصنوعة في صيدا، واستوردت أيضاً من قبرص، مع أواني الطقوس الاحتفالية التي تستعمل للأكل والشرب ومزج السوائل من موقع ميسان في اليونان».
أعلنت رئيسة البعثة البريطانية لحفرية الفرير في صيدا كلود ضومط سرحال عن «اكتشاف غرفة جديدة لمعبد ضخم محجوب في صيدا يعود تاريخه إلى ما قبل العام 1300 قبل الميلاد».

صيدا: اكتشاف معبد ضخم يعود إلى 1300 عام قبل الميلادوأشارت ضومط، في مؤتمر صحافي عقدته في موقع المعبد، إلى أن «اكتشاف غرفة جديدة لهذا المعبد مهم جداً، إذ كانت هذه الغرفة مختومة ومغلقة كما تركها الصيداويون بسبب بناء أقيم فوقها يعود تاريخه إلى العصر الفارسي»، موضحة أن «جدران الغرفة مبنية من الحجارة الضخمة ويراوح ارتفاعها أربعة أمتار ونصف المتر، وأرضيتها قائمة على عمق سبعة أمتار ونصف، تحت الطريق الحديثة».
وأكدت رئيسة البعثة البريطانية أنه «عثر في هذه الغرفة على مواد خشبية وخزفيات مصنوعة في صيدا، واستوردت أيضاً من قبرص، مع أواني الطقوس الاحتفالية التي تستعمل للأكل والشرب ومزج السوائل من موقع ميسان في اليونان».
وتفقدت رئيسة لجنة التربية والثقافة النيابية النائب بهية الحريري موقع حفرية الفرير الأثرية في صيدا القديمة، واطلعت على المكتشفات الجديدة التي أسفرت عنها أعمال التنقيب التي تجري من قبل فريق من مكتب مديرية الآثار في صيدا، تحت إشراف ضومط ومكتب آثار صيدا.
كما اطلعت الحريري على سير العمل في مشروع إنشاء متحف صيدا الذي يقوم على الحفرية ذاتها، بهبة من قبل «الصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي».
وأكدت الحريري أهمية المكتشفات الجديدة، معتبرة أن هذا ليس بغريب على مدينة صيدا التي تختزن على مر العصور تاريخاً وحضارات وثقافات تؤكد دورها كمدينة منفتحة على العالم ومتفاعلة معه. وأثنت على جهود المديرية العامة للآثار ورئيسة بعثة المتحف البريطاني في متابعة اعمال التنقيب.
وشارك ممثل بلدية صيدا رئيس اللجنة الثقافية في المجلس البلدي الأستاذ كامل كزبر في المؤتمر الصحافي، قائلاً إن الاكتشاف «يدل على عراقة هذه المدينة، وهذا ما وضعته بلدية صيدا برئاسة الأستاذ محمد السعودي نصب عينيها في موضوع الإنماء السياحي والأثري لهذه المدينة».
وأضاف كزبر أن «المتحف الذي يشاد هنا على أرض هذا الموقع... يجسد البعد الذي تنظر إليه البلدية في موضوع تنمية المدينة سياحياً وأثرياً»، لافتاً إلى أنه «سيكون الأول من نوعه في الشرق الأوسط كونه يشاد على أرض الموقع مباشرة».
محمد صالح / جريدة السفير

صيدا الكنعانية ــ الفينيقية مزجت كل حضارات الشرق 

صيدا الكنعانية ــ الفينيقية مزجت كل حضارات الشرق



القطعة الموسيقية المكتشفة في صيدا...
بين 3300 و333 قبل الميلاد، مارس أهالي صيدا طقوسهم الدينية على تلة تعرف اليوم بالقلعة البرية، بعد 13 سنة من التنقيبات الأثرية، يؤكد العلماء أن طقوس الكنعانيين والفينيقيين كانت واحدة في أرض واحدة، لشعب واحد يتميز بهوية فنية خاصة به
جوان فرشخ بجالي
صيدا، صيدون مدينة لطالما كتب وقيل عنها إنها من المدن التاريخية الأساسية لهذه البلاد الساحلية. لكن المدينة، التي لم تعرف الحفريات الأثرية إلا أخيراً، لطالما افتقدت التأكيد الحسي لهذه النظريات. وقد بدأت الحفريات التي يقوم بها فريق بعثة المتحف البريطاني والمديرية العامة للآثار بإعطاء صورة أخرى للمدينة. فالدراسات أبرزت وجه المدينة وهويتها بعد 13 سنة من العمل ومن الاكتشافات الأثرية المهمة. وبات عمل فريق المتحف البريطاني في صيدا يمثل نقطة وصل أساسية لفهم تطور الحياة على الساحل، وخصوصاً أن المكتشفات الأثرية تعود إلى فترتين من الزمن يعتبرهما اللبنانيون إشكاليتين. ولطالما ميّزوا بينهما على أساس أن شعباً مختلفاً عايش كل واحدة منهما. ولكن حفريات صيدا (وغيرها من المدن اللبنانية) تؤكد عكس ذلك. فقد عثر علماء الآثار في الموقع على بقايا معابد ومقابر واهراءات بعضها يعود الى الفترة الكنعانية (العصر البرونزي) والآخر إلى الفترة الفينيقية (العصر الحديدي). وتشرح عالمة الآثار ومديرة الحفرية الدكتورة كلود ضومط سرحال «أن الاستعمال الدائم لمبنى المعبد الذي يصل طول جدرانه إلى 45 متراً، يبرز على نحو قاطع أن استخدام المبنى لم يتغير في الحقبتين. الجدران نفسها يبنى عليها من جديد بالطريقة نفسها، وليس هناك من فرق يسمح بالقول إن شعبين يتميزان بطرق هندسية مختلفة استعملا هذا المبنى. بل عكس ذلك تماماً، فإن هذا التلاحم يؤكد أن شعباً واحداً استعمل المبنى على فترات زمنية طويلة، قسّمها علماء الآثار الى مرحلتين تاريخيتين أساسيتين. التسميات والتعريفات السياسية للفترتين الكنعانية والفينيقية لا تمت الى الواقع العلمي بصلة، وحفريات صيدا هي أحد الشواهد على ذلك». وتؤكد سرحال أن موقع الحفرية في المنطقة المعروفة بموقع الفرير (بالقرب من القلعة البرية) لم يعرف الحياة اليومية للسكان، بل يعتبر المركز الديني للمدينة. هنا، على هذه التلة، بُنيت المعابد وأقيمت الطقوس. وهنا، بالقرب من المعابد، شيدت اهراءات القمح والشعير.

... ومثيلتها في المتحف البريطاني
مخازن تعرضت تاريخياً لحريق هائل أتلف ما في داخلها، فتركت الغرف حتى وصل إليها علماء الآثار ليفتحوها ويكتشفوا في 26 غرفة منها بقايا حبوب لم يعد إنسان اليوم يعرفها. فمن أهم المكتشفات لهذه السنة افتتاح مخزن يحتوي على أقدم نوع من أنواع القمح في بلاد الشرق، وهو يعرف علمياً بـ(Triricum dicoccum) وعمره خمسة آلاف سنة. وتقول سرحال «إن غرف التخزين المكتشفة سابقاً كانت عادة مبنية من الطين، ولكن غرفة القمح هذه مبنية من الحجر. وبسبب احتراق المبنى، لم يحافظ إلا على 70 كيلوغراماً من الحبوب التي أوقفت النار تآكلها. ووجدت كومة كبيرة من الحطب محروقة كلياً، موضوعة إلى جانب إحدى غرف التخزين بالقرب من إحدى حفر الدعم التي كانت تستخدم لدعم السقف. وهذا الحطب ربما كان محفوظاً في حقيبة أو مربوطاً بما يشكل حزمة، كما تدل عليه طريقة وجوده متراكماً في موقعه الأساسي ومتفحماً كلياً.
قريباً من المخازن، عثرت البعثة خلال السنين الماضية على معابد صيدون القديمة التي حفظت في أرضها بعضاً من الأدوات التي تدل على الطقوس الدينية مثل «الشخشيخة» المزينة برأس الالهة المصرية حتحور التي اكتشفت هذه السنة. وتقول سرحال «إن المتحف البريطاني يمتلك ضمن مجموعته قطعة مماثلة لتلك المكتشفة في صيدا، والتي عثر عليها جنباً إلى جنب مع 16 تمثالاً طينياً». والمعروف أن هذه الأداة كانت تستخدم في الرقصات المقدسة والاحتفالات الدينية، ولا سيما في عبادة الالهة حتحور المصرية. وتعتبر هذه الآلة الموسيقية دليلاً آخر على استمرار إقامة الولائم والرقصات الدينية في هذا الموقع على مدى آلاف السنين، ويبدو أن العادة كانت تقوم على كسر الجرار والتماثيل وإلقائها على الأرض خارج المعبد، حيث اكتشفها العلماء، بعد ثلاثة آلاف سنة».
وتتميز حفرية صيدا بسرعة المنشورات العلمية بشأن القطع المكتشفة خلال التنقيبات. وبالطبع، تأخذ القطع الأثرية الفنية الكثير من اهتمام سرحال وفريقها العلمي. فخلال السنين الماضية، عُثر داخل علبة موضوعة في مقبرة على ختم اسطواني من الفترة الكنعانية (3500 حتى 1100)، تميّز بالنقوش المنحوتة عليه: حيوانان يقفان كالبشر ويرقصان وهما يحيطان بإله يحمل قيثارة ويطل من ورائه أسد. كان يمكن هذا الرسم أن يعتبر مجرد تحفة أثرية مثل سابقاتها، وأن ينتهي في متحف الموقع. لكن الوجوه البشرية لهذه الحيوانات الراقصة حركت حشرية عالمة الآثار، فقررت سرحال دراسة القطعة بالتفصيل. ستة أشهر من العمل المتواصل الذي يرتكز على المقاربات الفنية، تقول سرحال «ما لفت نظري هو تداخل الرسم المصري الفرعوني مع حضارات بلاد ما بين النهرين وفن الأناضول. فبين حركة الحيوانات وتصوير الوجوه تداخل قوي لفنون هذه الحضارات، وفي الوقت نفسه يبرز فن جديد. وهذا ما استطعت أن أحدده كفن خاص بصيدا. فن يتميز بمزجه لفنون كل حضارات الشرق الأوسط واستعمالها للتماشي مع متطلباته ومعتقداته. فن صيدا نموذج عن التمازج الذي كانت تعيشه هذه المدينة يومياً، فهي كانت نقطة وصل تعج بالحياة».
الختم وكل القطع الأثرية المكتشفة على الموقع، مع المخازن والمعابد والقبور، ستكون محور متحف الموقع الذي موّله الصندوق الكويتي للتنمية، والذي بدئ العمل على خارطته.

مقبرة صيدا الملكية على ضفاف نهر القملة في الوسطاني

عندما أصبحت صيدا مركز اهتمام السلطنة العثمانية عام 1887: اكتشاف مقبرة صيدا الملكية على ضفاف نهر القملة في الوسطاني(الجزء الأول)

مبادرة للمدينة ـ لم يكن محمد الشريف يعلم أنّه على وشك أن يقدّم للسلطنة العثمانية هديّة ذات قيمة عالية جدّاً، ما انفكت تتفاخر بها بين الأمم حتى يومنا هذا!

في بداية العام 1887، تقدّم ابن صيدا محمد الشريف من السلطات المحليّة بطلب، تمّت الموافقة عليه، للقيام باستخراج حجارة من أرضه التي يملكها في القيّاعة بمحاذاة نهر القملة في الوسطاني (تعرف حالياً ببستان الياس الشيخ).


على اليمين، صورة جوية معاصرة، وعلى اليسار، بساتين الوسطاني العتيقة- من دراسة لمبادرة للمدينة





أرض محمد الشريف هذه كانت تتميز بالصخر الكلسي خلافاً لكل ما يحيط بها من بساتين الليمون حيث التربة الغنية الصالحة للزراعة. هذه الطبيعة الصخرية كانت السبب وراءاستغلال محمد لأرضه بتحويلها الى مقلع. وقد كان غائباً عن محمد، بالطبع، ان أسلافه الصيداويين كانوا قد سبقوه الى استغلال هذه الأرض بعينها ولكن بطريقة مغايرة كلّياً!

بعد بدء الأعمال، وفي الثاني من آذار 1887، أسرع محمد الشريف الى قائمقام صيدا في ذلك الوقت، صادق بيه، ليبلّغه عن اكتشافه لبئر عميقة في تلك الأرض وأنها على الأرجح تحوي في قعرها توابيت قديمة.

في اليوم الثاني، وصل صادق بيه الى الموقع ليتأكد من صحة المعلومات بنفسه. تطلّب النزول الى قعر البئر استعمال الحبال لمسافة عاموديّة تقارب الخمسة عشر متراً. وعند أسفل الجدار الشرقي للبئر ومن خلال فتحة جانبية، ظهر تابوتان حجريان تكسو أحدهما منحوتات بديعة. عندها تأكّد للقائمقام أنّه على عتبة اكتشاف أثري بالغ الأهمّية، فقام بإبلاغ كل من ناشد باشا وهو الحاكم العام في سوريا حينها، ونصوحي باشا متصرّف بيروت، عن ذلك الإكتشاف العظيم، ووضع الموقع تحت حماية أسعد أفندي، قائد الجندرمة في صيدا.


مسطح ومقطع للمدافن الملكية. التوابيت مرقمة من الرقم 1 الى 17



وبهدف استكشاف البئر بشكل تام، قامت السلطات بارسال بشارة أفندي كبير مهندسي الولاية في ذلك الوقت، الذي وجد بدوره ان قعر البئر عبارة عن غرفة صغيرة خالية (vestibule) تتوسّط غرفاً سبعة تحوي مجتمعةً سبعة عشر تابوتاً حجريّاً تنافس بعضها بعضا في الجمال والروعة. وهكذا بات من المؤكد أن أرض محمد الشريف تحوي في باطنها مقبرةً ملكيّة قل نظيرها!

طار الخبر الى اسطنبول حيث كان الاهتمام بالآثار حينها على أوجه. فقد كان العثمانيون يبحثون في كل أراضي السلطنة عن آثار الأزمنة الغابرة لعرضها في متاحفهم الفتية وللتباهي بولادة علم الآثار المتخصص عندهم، الذي كان مفخرة الدول المتقدمة في ذلك الزمن وعلامة الدخول في الحداثة الغربية.


عثمان حمدي بيه، رائد علم الآثار العثماني



قام السلطان عبدالحميد الثاني بإرسال عثمان حمدي بيه، مدير المتحف الأركيولوجي في اسطنبول، الى صيدا لتوثيق المكتشفات والإشراف على عملية نقلها الى اسطنبول. انطلق عثمان حمدي بيه الى صيدا في الثامن عشر من نيسان ليصلها في الثلاثين منه. وبعد خمسين يوماً، أي في العشرين من حزيران، كان يعتلي ظهر سفينته المنطلقة من شاطئ القملة عائدةً الى اسطنبول، وفي بطنها كنز من التوابيت والمقتنيات الأثرية الثمينة التي تعود لملوك صيدا القدماء.

تم افتتاح الجناح الرئيسي في المتحف الأركيولوجي في اسطنبول في حزيران عام 1890 وكان هذا الجناح قد بُني خصيصاً لاستضافة آثار المقبرة الملكية في صيدا، وهو من تصميم المعماري الفرنسي-العثماني الكسندر فالوري.


المتحف الأركيولوجي في اسطنبول



وما تزال هذه الآثار في مكانها حتى يومنا هذا في الجناح المخصص لها تحت عنوان: (Royal Necropolis of Sidon)، يتصدرها تابوت الاسكندر العظيم، جوهرة المتحف بلا منازع.


“Royal Necropolis of Sidon”



تقع المقبرة اليوم داخل منطقة الضم والفرز لمنطقة شرق الوسطاني حيث تجري عملية التخطيط والتصميم المدني حالياً. وهذا يفتح فرصة للنقاش الجدّي حول مستقبل مواقع كهذه ومصير ما اكتشف فيها، وعن الامكانيات التي قد تقدمها في تطوير المدينة ومساحاتها العامة وإعادة تشكيل وعي الصيداويين بتاريخ مدينتهم.

في ما يلي لمحة موجزة عن أهم محتويات المقبرة:

تابوت الاسكندر(Alexander Sarcophagus) (رقم 7):

يزن 15 طن- طول: 3.18 متر- عرض: 1.67 متر- ارتفاع: 1.90متر

يعتبر تابوت الكسندر من القطع الأثرية الأكثر أهمية في المتاحف الأثرية في اسطنبول وهو في الحقيقة يتمتع بين نوعه وتاريخانيته بفرادة مميزة على مستوى العالم.


تابوت الاسكندر داخل قفص زجاجي



على الرغم من أنه يسمى تابوت الكسندر، إلا أنه لا يعود إلى الإسكندر الأكبر. فبعد سنوات طويلة من الدراسات، بات من المرجّح أنه يعود الى ملك صيدا “عبدالونيموس” (Abdalonymus) الذي عيّنه الاسكندر الأكبر نفسه. وسبب هذا الالتباس التاريخي في تحديد هوية صاحب التابوت يرجع الى المنحوتات التي تملأ جوانبه وتظهر بلا أي ريب الاسكندر الأكبر في وضعيات مختلفة.


المنحوتات على تابوت الاسكندر كانت أساساً ملوّنة



على أحد جانبي التابوت الطويلين، مشهد لمعركة بين الفرس و الإغريق، وهي تحديدا معركة “إيسوس” (Issus) التي وقعت في 333 ق.م. والتي انتصر فيها الاسكندر على الملك الفارسي داريوس الثالث وفتح على إثرها فينيقية وسوريا. هذه المعركة هي التي أوصلت عبدالونيموس الى عرش صيدا كونه قاتل فيها الى جانب الاسكندر. أما الجانب الآخر من التابوت فيصور الاسكندر في رحلة عنيفة لصيد الأسود.

ان منحوتات التابوت هذه على درجة عالية من الدقة مما يشير الى أنها قد تكون نحتت في صيدا على يد فنانين محلّيين لأنه من المستبعد جداً نقل مثل هذا العمل المنحوت بدقة متناهية على هذه القطعة من الرخام الأبيض (Pantellic) من اليونان إلى لبنان دون تعرضه لأضرار.

تابوت النساء الباكيات(Sarcophagus of the Crying Women/ Pleureuses) (رقم 1):

طول: 2.68 متر- عرض: 1.38 متر- ارتفاع: 1.29متر


تابوت النساء الباكيات(Sarcophagus of the Crying Women)



يعتقد أن يكون التابوت لملك صيدا، ستراتون ( 374-358 قبل الميلاد)، وهو مصمم على شكل معبد أيوني. يشكل مثالاً للنحت اليوناني المطعّم بالتأثيرات الشرقية. استخدمت معالمه الهندسية في بناء المتحف الأركيولوجي في اسطنبول كما تظهر صورة المتحف أعلاه. ويعتقد أن التماثيل الثمانية عشر للنساء الحزينات بين الأعمدة تمثل زوجات الشخص الميت أو نساء الحرملك خاصته.

تابوت تبنيت(Sarcophagus of Tabnit) (رقم 10):

مصنوع من البازالت ويخص ملك صيدا الفينيقي تبنيت (Tabnit) ، والد الملك إشمونازار الثاني (Eshmunazar II). يزيّن التابوت اثنان من النقوش المنفصلة غير المتصلة – واحدة باللغة الهيروغليفية المصرية و أخرى باللغة الفينيقية .


جثة الملك تبنيت معروضة قي بستان أبيللا في صيدا



وعثر على جثة الملك تبنيت داخل التابوت عائمة في سائل التحنيط الأصلي ومحفوظة بشكل كبير. يذكر عثمان حمدي بيه في مذكراته انه أثناء تناوله للغداء، قلب العمال التابوت وسكب ماء التحنيط على الأرض عن طريق الخطأ وضاع بالتالي سر التحنيط في تراب صيدا!

الجدير بالذكر أن التابوت الخاص بالملك إشمونازار الثاني (مشابه لتابوت والده) كان قد اكتشف عام 1855 في مغارة عبلون الأثرية في صيدا وهو معروض اليوم في متحف اللوفر في باريس. من المرجح ان يكون الصيداويون قد استحوذوا على التابوتين عقب مشاركتهم في معركة بيلوزيوم (30 كلم جنوب شرق بورسعيد) عام 525 قبل الميلاد.


“أنا تبنيت، كاهن عشتروت وملك الصيداويين، إبن إشمونازار، كاهن عشتروت وملك الصيداويين، أرقد في هذا التابوت؛ أناشد كل إنسان يكتشف هذا التابوت: لا تفتح غرفة دفني ولا تؤرقني، فليس هنالك من مال، ليس هنالك من ذهب، ليس هنالك من كنوز. هنا وحدي أرقد في هذا التابوت. لا تفتح غرفة دفني فهذا مقيت أمام عشتروت. إذا فتحت غرفة دفني، وإذا أزعجتني، قد لا يكون لديك ذرّية في الدنيا تحت الشمس ولا مرقد بين الأموات.”(مأخوذة عن ترجمة المؤرخ إرنست رينان الفرنسية للنقوش على تابوت الملك تبنيت)



تابوت اللّيسي(Sarcophagus of the Lycian) (رقم 9):

طول: 2.55 متر- عرض: 1.37 متر- ارتفاع: 1.34متر (دون الغطاء)

هذا التابوت مصنوع من الرخام العاجي من باروس اليونانية. آثار الوان خفيفة من الأحمر والبني والأزرق ما تزال صامدة في ثنايا المنحوتات.


تابوت اللّيسي(Sarcophagus of the Lycian)



يصور جانبه الطويل الأول مشهد صيد: شابان يعتلي كل منهما عربة يجرها أربعة خيول تنقض جميعها على أسد. الخيول الثمانية واثبة في الهواء، لا يطأ الأرض سوى حافر واحد لأحدها.

الجانب الطويل الثاني يصور مطاردة لخنزير. فيما تصهل الخيول متوثبة، يرفع خمس صيادين رماحهم ليرموا بها ذاك الخنزير.


تابوت اللّيسي(Sarcophagus of the Lycian)



شكل التابوت، والنقوش المنحوتة عليه, خاصة تلك البارزة منه على شكل رؤوس حيوانات، وكذلك مشاهد الصيد الأسطورية، كل هذا يضع التابوت ضمن سلسلة توابيت منطقة ليسية في انطاكية.

تابوت المرزبان(Sarcophagus of the Satrap) (رقم 16):

طول: 2.88 متر- عرض: 1.18 متر- ارتفاع: 1.44متر


تابوت المرزبان(Sarcophagus of the Satrap)



هذا التابوت مصنوع من الرخام العاجي من جزيرة باروس اليونانية.

التوابيت الأخرى:


تابوت رقم 2




التوابيت 4-5-6




التابوت رقم 8




التابوتين 13-15




التوابيت 3-11-17


المراجع والصور:
بحوث ميدانية خاصة بمبادرة للمدينة
“Une Necropole Royale A Sidon/ Fouille de Hamdy Bey” by O. Hamdy Bey & Theodore Reinach
Istanbul Archaeological Museums/ website

متحف لرؤية آثار صيدا "من فوق"



تنتظر مدينة صيدا متحفاً جديداً لآثارها المشتتة، أو غير المكتشفة بعد، سيقام في موقع لا يبعد عن قلعة صيدا البرية إلا بضعة أمتار. وعلى الرغم من أهمية هذا الحدث، الا أنه لا يخلو من بعض المخاوف من جانب السكان، إذ يقول أحد سكان صيدا القديمة، والذي يسكن بجوار المتحف: "لست ضد انشاء المتحف، لكننا قلقون من طريقة الحفر التي تقترب من أساسات بيوتنا". ويقول آخر: "بات المتحف يقتطع جزءاً كبيراً من الطريق العام، ولم يعد هناك امكانية لمرور السيارات بشكل مريح. ونحن نعاني لنجد موقفاً، وبعد إنشائه لن نجد مواقف أبداً".

لا ترى ميريام زيادة، وهي مديرة مكتب الآثار في صيدا، أن هناك سبباً لقلق السكان. "من غير الطبيعي أن نقوم بالحفر من دون تدعيم البناء، فنحن مسؤولون عن عمالنا وخبراء الآثار، وبالتالي تهمنا سلامتهم كما سلامة السكان. وإذا كان هناك بعض الخطر خلال الشتاء، الا أن هذا الخطر كان على الطريق العام، ولكن كل شيء مرّ على ما يرام"، وفقها. 


متحف المدينة وقلعتها
"اننا كمديرية نقوم بالشق التقني من المشاريع، حيث أننا في صدد العمل مع مهندسين وخبراء آثار على مشروعين حالياً، هما المتحف وترميم القلعة البرّية"، تقول زيادة. ويشرح سامر أطرق، وهو أحد متخصصي عملية التنقيب وطرش الآثار، عن مبنى المتحف قائلاً: "سيقام هذا المتحف فوق المواقع الأثرية الموجودة في المنطقة مثل البيوت والأفران القديمة وغيرها، بحيث يتاح للزوار رؤية هذه الأماكن من الأعلى عن طريق الشرفات، ثم النزول إليها لرؤيتها عن قرب. وسيتضمن المتحف صالة عرض للقطع الأثرية التي وُجدت في موقع الحفر". 

أما الأعمال في القلعة البرية، وفق زيادة، فتنقسم الى شقين أساسيين. "الأول يقوم على تدعيم المبنى، والثاني يتعلق بتجهيز ممرات الزوار والشكل الخارجي للقلعة". لكن دور وزارة الثقافة سيقتصر على استقبال الهبات ودراسة المشروع، ثم تسليمه الى المديرية العامة للآثار، اذ "لا امكانية مالية عند الوزارة تسمح لها بتمويل هذه المشاريع. فالمتحف ممول من الصندوق الكويتي، أما مشروع القلعة البرية فممول من هبة إيطالية". لكن التمويل الخارجي "المخصص لهذه المشاريع غير كاف لتغطية تكاليف عمليات الترميم والحصول على نتيجة مميزة، الا أن قبول هذه الهبات يبقى أفضل من لا شيء"، وفق أطرق.


الصالح الأثري
وتعد هذه المنطقة من المناطق ذات "الصالح الأثري"، أي الغنية بالآثار، مما يعني أن "كل رخص البناء وإعادة البناء واستصلاح الأراضي يجب أن تمر على مديرية الآثار قبل الحصول على الموافقة النهائية من التنظيم المدني. ونحن نقوم بالكشف على الأرض للتأكد من خلوها من الآثار". وفي حال إكتشاف آثار ينتقل فريق من المنقبين الى الموقع حيث "نقوم بأرشفة الطبقات، تحليلها وتقديم التقارير. قد تكون آثاراً منقولة أو غير منقولة، وهنا يصبح لدينا ثلاثة حلول. إما استملاك الأرض أو تحييد الآثار واستكمال البناء، أو نقلها"، وفق أطرق.

وتشير زيادة الى مفهوم خاطئ شائع عند الناس يربط بين وجود آثار في أرض ما واستملاكها من قبل الدولة. اذ ان "استملاك الأرض يكون الطلقة الأخيرة التي قد نضطر إلى اللجوء إليها، الا أننا نعمل جاهدين على حماية الآثار والحفاظ عليها في مكانها بمساعدة صاحب الأرض نفسه، الذي يصبح بمثابة حارس قضائي ومسؤول عن صيانة هذه القطع الأثرية من خلال عقد مبرم مع الوزارة". فاذا كانت الآثار غير منقولة "يتم الابتعاد عنها بضعة أمتار ثم يُشيد البناء، على نحو يضمن إمكانية زيارة هذه الآثار من حين لآخر"، وفق أطرق. لكن في حال تعذّر حمايتها ضمن البناء نفسه "تُستملك الأرض ولكن بعد تثمينها ويعوض مادياً على صاحبها"، تقول زيادة.


دور الدولة
ويتعامل القانون بصرامة مع المعتدين على الآثار، اذ تتراوح العقوبة بين غرامة مالية والسجن، "حيث أن عملية تدمير الآثار تعتبر جريمة"، وفق زيادة، التي ترى أن تدمير بعض المواطنين للآثار يرجع إلى "مفهومهم الخاطئ عن تملك الدولة للأرض. وهذا ما يسبب الذعر لديهم ويدفعهم الى التكتم عن وجود آثار في أراض يمتلكونها". من جهة أخرى قد يكون اهمال الدولة لهذا القطاع لسنوات طويلة قد حفز البعض للاستيلاء على بعض هذه القطع وبيعها.

لكن الوزارة، وفق زيادة، بدأت العمل على هذا الصعيد. وسيكون "اليوم الوطني للتراث" في 21 من الشهر الحالي، أول دليل على زيادة الاهتمام بالآثار. "حيث ستكون المواقع الأثرية مفتوحة من دون مقابل لمن يرغب بالدخول والاستمتاع بالنشاطات التي سنقوم بها خلال هذا اليوم، بالاضافة الى وجود مرشدين سياحيين في مختلف المناطق، حتى لا تبقى الآثار مجرّد حجر جامد بالنسبة لزوارها".
اطبع هذه الصفحة

اكتشاف آثار فريدة في صيدا تأخذك برحلة عبر الزمن!

اكتشاف آثار فريدة في صيدا تأخذك برحلة عبر الزمن!

      






.لمصدر: "النهار" - صيدا
رحلة رائعة عبر الزمن، نحو خمسة آلاف سنة من الاكتشافات ظهرت في قطعة فريدة عثر عليها في صيدا. تمثال لكاهن طوله 115 سنتيمتراً ويعود تاريخه الى القرن السادس قبل الميلاد. لم يعثر على تماثيل مماثلة في لبنان منذ بداية ستينات القرن الماضي، وليس هناك سوى ثلاثة نماذج اخرى مصدرها صيدا وام العمد وصور، وهي موجودة في متحف بيروت الوطني.
والتمثال هو لرجل يقف وظهره الى عامود طويل مرتديا إزاراً ذا ثنيات (شينتي) يتدلى من وسطه حزام ضيق يمتد من الخصر الى الحاشية وينتهي بنقش لثعبانين متضادين (اورائي). ذراعه اليسرى تتدلى على طول جسمه وتنتهي بقبضة تمسك بجسم اسطواني، يرجح ان تكون لفيفة ورقية او منديلا. وهذه التفاصيل المستوحاة من الفن المصري يمكن رؤيتها في تماثيل معروضة في المعابد الفينيقية في قبرص كجزء من اطار ديني فينيقي اوسع
تكشف المسؤولة عن بعثة التنقيب التابعة للمتحف البريطاني والمشرفة على اعمال التنقيب وصيانة المكتشفات الاثرية في موقع الفرير في صيدا كلود سرحال ضومط أن عمليات التنقيب هذه السنة جرى توسيعها وتمديدها بشكل استثنائي لفترة ستة اشهر بدأت في كانون الثاني تحضيراً لبناء متحف في الموقع، سيكون الاول من نوعه في الشرق الاوسط. وأشارت ضومط الى أنه "ليس هناك شك في ان هذه القطعة النادرة ستحتل مكانا محوريا في المتحف المزمع الذي سيستضيف ما يزيد عن 1200 قطعة اثرية في طبقته الاولى. وسيسمح للزوار بالنزول الى الموقع نفسه للتمتع بمشاهدة الاطلال، وان يروا بأنفسهم كيف حفظت التنقيبات تحت المتحف". وأكدت أن هذا المتحف سيكون بمثابة رحلة رائعة عبر الزمن ستغطي نحو خمسة آلاف سنة من الاكتشافات تبدأ من نهاية الالفية الرابعة قبل الميلاد وتنتهي بصيدا القرون الوسطى.
لم تنته قصة التمثال. فبعد اهماله في القرن الثاني بعد الميلاد، اعاد الرومان استخدامه ووضعوه تحت سقيفة رخامية جميلة ليقفلوا به مصرفا مائيا ثنائي الجدار. وهكذا عثر عليه المنقبون مقلوبا على وجهه. واضافة الى ذلك تظهر مجموعات مختلفة من صفين متوازيين من خمسة ثقوب محفورة في حجر الرملة، واستخدم الرومان ايضا ظهر التمثال في لعبة "المنقلة"، وهي كلمة مأخوذة من الكلمة العربية "نقل".
وشملت الاكتشافات المهمة الاخرى ثلاث غرف اضافية في مبنى عام من الالفية الثالثة كان يعتقد انه يضم عشر غرف فقط. واستخرجت من الارض ايضا اكوام عدة من المحاصيل المحفوظة الى حد ما. كما عثر على مخزون من 200 كيلوغرام من قمح بري مشوي يدعى "اينكورن" (كلمة المانية تعني "وحيد الحبة") في غرفة للمؤونة مبنية من الطين. ويتوافق هذا مع اكتشافات سابقة لمخزونات كبيرة اخرى من القمح المدجن مثل قمح "ايمر" (اي "ثنائي الحبة")، والشعير المشوي. وهناك اكتشاف مهم آخر هو البقول المفضل في صيدا، أي الفول الذي عثر على 160 كيلوغراما منه. لكن حبوبه كانت اصغر بشكل لافت من الفول في ايامنا هذه. وعثر ايضا على رفات 20 بالغاً وطفلاً دفنوا في قبور مبنية، وعلى جرار دفن فيها اطفال واولاد تعود الى الالفية الثانية قبل الميلاد. وخلال هذه الفترة كانت طقوس الدفن تشكل نشاطاً اجتماعياً مهماً وتشمل توزيع الطعام والأكل الى جانب المدفن تكريما للميت.
وقد أمكن بدء مشروع المتحف وتمديد عمليات التنقيب بفضل جهود "الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية" والرئيس فؤاد السنيورة. ولا تزال "شركة الاسمنت الوطنية - ترابة السبع" و"مؤسسة الحريري" تموّلان عمل فريق علماء الآثار الاساسي الذي ضم جهوده الى الفريق الاوسع

صيادو الأسماك في صيدا يحافظون على مهنتهم رغم المعاناة








بقلم ثريا حسن زعيتر

سمك صيدا من يشتريه؟!
«قوت لا يموت» مقولة يرددها صيادو صيدا وهم يكسحون لكسب رزقهم ويضيفون عليها عبارة «الداخل إلى البحر مفقود والخارج منه مولود»... وبين لقمة العيش والصيد يروي هؤلاء حكايتهم مع البحر المفتوح على شاطئ مدينتهم ويتداولون في الميناء الخاص بهم مغامراتهم مع البحر ورزقهم مع السمك إلى جانب شؤونه وشجونه...
وفي قعر البحر يشكون النفايات... تلف الشباك... تضرر مراكبهم ومحركاتهم، وعند عودتهم من رحلتهم إلى اليابسة يتذمرون من بعض الأسماك الضارة، ويتحوّل كل ذلك إلى أحاديث عن مشاكلهم اليومية، بينما بعضهم يقوم بإصلاح الشباك، والأخر ينفث السيجارة أو الأركيلة ويرددون «دخّن عليها تنجلي»...
لكن مشاكل الصيادين لم تنجلِ إلى الآن، وهم يعيشون قلّة الرزق مع إنهم في عز موسم الصيد صيفاً وليس مع عواصف البحر شتاءً، يكابدون من أجل تأمين قوت يومهم وهم محرمون من التأمين الصحي والضمان الاجتماعي ومنسيون من المساعدات ومن التعويضات من إي إضرار...
«لواء صيدا والجنوب» حط رحاله في ميناء الصيادين في صيدا وجال بين المراكب والميرة ومقر النقابة...

لا نظام للبحر
{ بين الألم والأمل، ما زال صيادو صيدا يُحافظون على مهنتهم كتراث وتاريخ للمدينة، التي اشتهرت وما زالت، ببحرها وشاطئها وسمكها، ويستعيد رئيس «تعاونية الصيادين» في صيدا معروف بوجي ذكريات الماضي فقال: «كثرت الناس، والمعيشة باتت صعبة، ورزق البحر قليل، وأصبحت أفقر منطقة، ولا أحد ينظر إلى الصيادين لا بمساعدة، ولا بمعونة، ولا تعويض، ورزقهم على الله، وهذه المشكلة كبيرة مثل حياة كل الناس في صيدا ولبنان، يبحثون عن رزقهم ولا يجدونه، إلا «البحري»،  فهم تحت رحمة الله، قد يأتيه ليرة وقد يأتيه مئة ليرة، وإذا كان لديه منزلاً مُستأجراً يقع تحت العجز والدين، ولا يوفرها كل شهر».
وتابع: «إن مشكلة النفايات مع الصيادين قديمة منذ العام 1960، وزادت الآن، والسبب جبل النفايات، والآن يقومون بمعالجته، لكن المشكلة أن البحر بات ملوثاً، والنفايات تتساقط في البحر، والأصعب أن بعض النفايات الصلبة لا تتلف في مياه البحر، وهي التي تُشكّل خطراً وتهديداً، فكيس النايلون يبقى 20 عاماً، والقناني كذلك، فالبحر مليء بها، وهي لا تذوب ولا تزول، وتعلق عليها «الطحالب»، فتمزق الشباك وتلحق ضرراً بمراكب الصيادين».
وقال: «إن النفايات الموجودة في البحر لوّثت بعض المناطق، فلم تعد الأسماك تأتي إلى منطقتنا، فقلّ الرزق، إضافة إلى نفايات المستشفيات، فقد كان في السابق هناك مستشفيان، الآن هناك العشرات، والمخاطر زادت، وكذلك مجاري الصرف الصحي التي تتدفق إلى البحر، وهي تقتل الأسماك التي تأتي لتبيض على الشواطئ، وليس في عمقه، فتقتل من البيوض ما نسبة (70-80%) لأن المجاري تبعث السموم».
وأضاف: «منذ العام 1960 وأنا ما زلت أعمل في البحر، الناس كثرت، والصياد كان يضع 400 متر من الشباك، والمركب 6 أمتار، والآن باتت من (8-10) أمتار والشباك توضع ما بين (3-4) آلاف متر والمحركات كبيرة».
وأكد أنه «لا نظام في البحر في الصيف والشتاء، و«التروبيل» غير مضبوط ويقتل السمك الصغير والكبير على 100 متر مربع، وأحضروا لنا سمكة «شونشالة» من إيطاليا، تأتي على ضوء «اللوكس» على مسافة 200 متر مربع، ويجتمع حولها السمك فيبيعون الكبير ويرمون الصغير».
وأشار إلى «أن وزير الزراعة كان يريد وقف الصيد لمدة 3 أشهر - من 15 أيار حتى 15 أيلول ومنع كل شيء، ونبحر بالعشرين متراً على البحر، ولو تم هذا المشروع لعاد السمك مثل الأول، لأن السمك يفقس في نيسان، وسرعان ما يكبر مثل «المليقة»، وجاءتنا سمك «النفيخة» التي تأكل الشباك، ألقتها وزارة الزراعة وهي غالية جداً، أحضروا بذرة من «اليابان» حتى تكبر ونصطادها، فتبيّن أنها سامة مثل الحية والعقرب وتقتل، وقد وقع ضحيتها الكثير، ومات في صور 3 أشخاص وفي عين الحلوة اثنين وفي صيدا واحد، ممنوع نصطادها وبيعها في الميرة» ومن يخالف الأمر يُعاقب».
أفقر من الفقير
{ وما يقوله بوجي يعبّر عن مشاكل الصيادين، إذ وقف الصياد محمود شعبان (74 عاماً) وفي قلبه غصّة وألم، بعدما تضرر مركبه في البحر، وهي الآن مركونة في حوض الميناء، فقال: «لا أملك المال لإصلاحها، فهي مصدر رزقي في البحر، وليس لدينا تأمين صحي أو اجتماعي أو مدخول أخر غير اصطياد السمك لتوفير قوت يومنا أنا وأولادي، ولا أعرف كيف أصلح المركب، الله يعيننا، فنحن شعب أفقر من الفقير، ولا أحد ينظر إلينا، وكأننا منسيون من الدولة والعالم».
وأضاف: «حتى الرزق في البحر أصبح قليل جداً، قياساً عن الأعوام السابقة، والوضع من السيئ إلى الأسوأ... لا ندري لماذا لا يأتي إلينا السمك مثل السابق، وعادة البحر كان يأتينا بها من جميع الدول، ففي الأيام الأخيرة ظهرت أفواج سمك آتية من مصر ثم اختفت، فنحن في موسم «المليقة، الغبص والسردين»، مع إننا في عز الموسم، إلا انه لا يوجد «رزقة» مثل هذا البلد، كأنه توقف فيه كل شيء عنا، حتى البحر الذي كان رزقه لا يتوقف... توقف الآن».
كساد وانتظار
{ وتحت أشعة الشمس الحارقة، جلس بائع السمك حسن شعبان على كرسي إلى جانب بسطة وهو يتصبب عرقاً مُنتظراً زبوناً وافداً ليشتري منه السمك الطازج، قال: «منذ ساعات الصباح لم يأتِ إلينا زبون بالرغم من إننا في عز الموسم، فالإقبال على الشراء ضعيف جداً، الخوف والوضع الأمني يدفع المواطنين إلى عدم التجول، إضافة إلى الضائقة الاقتصادية التي نمر بها، بالرغم أن الأسعار ليست غالية الآن، سمك «الأجاج» 7 آلاف ليرة لبنانية و«السلطان إبراهيم» 6 آلاف ليرة لبنانية، وهي الآن أرخص من اللحمة، لكن للأسف... نأمل أن يستعيد السوق الصيداوي حيويته وحركته من جديد، لأن الوضع السياسي والأمني المستقر يُساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية».
وأضاف: «نحن في صيدا ننتظر ابن الجنوب كي يشتري منا السمك، فكل العابرين من والى الجنوب يتوقفون لشراء احتياجاتهم، وخاصة السمك من بحر صيدا له نكهة خاصة، بالرغم من إننا في موسم الصيد، ومن الطبيعي أن تكون الحركة ناشطة إلا أنها معدومة».
عرض وطلب
{ داخل سوق السمك «الميرة» التي تعج بالبائعين، كلّ ينادي على سمكه الطازج بصوت عالٍ، يتداخل مع صوت سليم نضر، وهو واحد من بائعي الميرة، يعرض السمك على طاولته بأصناف مختلفة: «غبص... لقز... مليقة وسرغوس» بطريقة ملفتة كي يجذب نظر الزبون، قال: «بالرغم من كل الظروف الصعبة التي مرّت بنا إلا أن هناك أملا يحيط بنا لنعيش في كنف الدولة وسط الاستقرار والأمن».
وختم نضر: «إنني أحصل على السمك الطازج من الصيادين يومياً، وأبيعه بأسعار مقبولة، فالسمك الطيب غالٍ، وخاصة «اللقز»، وإذا كان عليه طلب يرتفع سعره، اليوم سعر «البلاميدا» 5 آلاف. والصيادون يكسحون كل يوم ويصطادون أنواعاً مختلفة من الأسماك، وأكثرها الآن «السردين»، فكل 3 كلغ بـ 10 آلاف ليرة لبنانية، ويبقى موسمه حتى تشرين الأول».

      

صيادو الأسماك في صيدا يتداولون شؤونهم
عرض سمك أجاج في صيدا




معروف بوجي: ذكريات الماضي وأمل الحاضر
محمود شعبان يشير إلى مركبه المتضرر




البائع حسن شعبان يجلس منتظراَ من يشتري
سليم نضر يعرض سمكه للبيع في الميرة







زبائن داخل الميرة